التضخم المالي

التضخم المالي

التضخم

طالما ونحن نكتب في مجال البنوك ففي الصفحات التالية سنعطي لمحة مختصرة عن التضخم  المالي وعادة ما يعالج هذا الموضوع في كتب النقود والبنوك والمالية العامة ما يسرد في هذه المقالة مجرد فكرة عن التضخم المالي لما في ذلك من أثر على تحركات أسعار السلع ومنها الذهب و العملات الاجنبية الفوركس.

ما هو التضخم المالي ؟ 

التضخم المالي هو ارتفاع في الأسعار وسببه التوسع في عرض النقود وبعبارة أخرى زيادة في كمية النقود ( زيادة القوة الشرائية بيد المجتمع) تزيد عن السلع والخدمات  المتاحة وبعبارة أكثر بساطة التضخم المالي في الأسواق العالمية هو كمية كبيرة من النقود تطارد كمية قليلة من السلع والخدمات ( نقود كثيرة يقابلها سلع قليلة) .

وعلى ضوء هذه التعاريف يعتبر التضخم المالي ظاهرة نقدية سببه الأصدار الزائد من النقود لايقابله في نفس الوقت التوسع في إنتاج السلع والخدمات ( دخول حقيقية للمجتمع) وهناك عبارة مشهورة الاقتصادي (Milton friedman) أن التضخم دائماً وفي كل مكان ماهو الا ظاهرة نقدية Inflation is always and everywhere a monetary phenomenon.

وقد سبق فقهاء المسلمين (فريدمان) بمئات السنوات وكتبوا أن التضخم المالي هو رخص النقود كما يشير (د.أحمد محمد أحد أبوطه) في كتابه بعنوان(التضخم النقدي) فأحدهم كتب رسالة بعنوان(قطع المجادلة عند تغير المعاملة) ويقصد العملة وفقيه أخر كتب بعنوان( بذل المجهود في مسألة تغير النقود) وثالث كتب رسالة بعنوان (تنبيه الرقود على مسائل النقود).

 

التضخم المالي في الدول المتقدمة

يطلق على التضخم المالي في الدول المتقدمة التضخم الركودي (Stagflation) و هو ما تحدث عنه تكرارا الدكتور طلال أبوغزاله عدة مرات عن التضخم المالي في الأسواق العالمية.

 طلال ابو غزالة

  ويحدث ذلك عندما يكون هناك موارد غير مستغلة ( عدم تحقيق التوظيف الكامل ) وبمعنى آخر يحدث في حالة وجود طاقات عاطلة ويعالج عن طريق التأثير على العرض الكلي للسلع والخدمات بزيادة الإنتاج وبعث الحوافز  لدى المستثمرين من رجال الأعمال. 

 و ذلك عن طريق تخفيض الضرائب على الدخل والثروة والتقليل من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وتحجيم القطاع العام و ستؤدي هذه الإجراءات إلى دفع رجال الأعمال إلى استغلال الطاقات المعطلة وزيادة الانتاج لجني الأرباح ولن يكون هناك بطالة اجبارية ((Involuntary Unemployed)).

 بمعنى أن من يبحثون عن عمل يجدونه صحيح قد يكون هناك بطالة اختيارية (Voluntany Unemployed) وذلك لأن العاطلين غير مستعدين للعمل عند الأجر السائد. تعد هذه المقومات من المحركات الأساسية لقيمة عملة كم من هذه الدول وخصوصا العملات السبع الرئيسيه و منها اليورو و الدولار الأمريكي والين و الكندي و السويسري و الاسترالي والنيوزلندي.

 

 

 

التضخم المالي في الدول النامية

أما في الدول النامية فإن أسبابه ترجع الى الهيكل الاقتصادي نفسه وبنيانه الإنتاجي وتطور قواه الإنتاجية وسعة الأسواق المحدودة والتبعية للخارج وتصدير المواد الأولية وخاصة المنتجات الزراعية على حساب إشباع الحاجات المحلية والزيادة المطردة للسكان وابتلاعها لأي زيادة في الإنتاج وخاصة المنتجات الغذائيه وتضطر الحكومات في الدول النامية للتغلب على الضغوط التضخمية  المالية الى زيادة الدعومات وخاصة للسلع الغذائية (Food  Subsidies) . 

مما يؤدي إلى تفاقم العجز في الموازنة وتغطيته عن طريق الاقتراض من القطاع المصرفي أو الأصدار النقدي (طبع نقود) وقد تلجأ الحكومة الى زيادة الأجور (Wages increase) حتى نخفف غائلة ارتفاع الأسعار ولا يقابل ذلك زيادة في الإنتاجية الأمر الذي يؤدي الى زيادة التكاليف وزيادة الأسعار وتستمر دورة التضخم المالي ويطلق عليها البعض الحلقة المفرغة ( Vicious Circle of inflation) وهو من أسباب التضخم المالي في الأسواق العالمية.

تعاني الدول النامية من البطالة المزمنة (Chronic Unemployment) بالاضافة إلى البطالة المقنعة (Disguised Unemployment ) الزائر لأي مؤسسة من المؤسسات العامة سيجد أن عشرات الموظفين يتربعون على المكاتب ولكن إنتاجيتهم قد تكون صفراً ويرجع ذلك الى السياسات التي تتبعها بعض الحكومات إذ تلتزم بتوظيف خريجي الجامعات والمعاهد رغم عدم الحاجة لهم وهذا ما شاهدناه في مصر أثناء الدراسة في ستينات القرن العشرين.

دخل الفرد يجب أن يدقق فيه ومصدره هل هو ناتج عن تقدم صناعي وتكنولوجي…الخ  ام انه مجرد ثروة بترولية ومعدنية أدت الى زيادة الدخل القومي بشكل إذا قسم على عدد السكان كان نصيب الفرد كبيراً يصل الى مستويات نصيب الفرد في الدول المتقدمة بينما المؤشرات الأخرى التي تدل على التخلف هي السائدة.

التضخم المالي في الدول الاشتراكية

تستخدم الدول ذات التخطيط المركزي لمواجهة التضخم المالي في الأسواق العالمية مجموعة من السياسات ويسمى التضخم المالي المكبوت (Repressed  inflation) عن طريق وضع القيود المباشرة (Direct control) للحد من ارتفاع الأسعار كتثبيت الأسعار لسلع معينة وتحديد الاستهلاك للسلع واستخدام نظام البطاقات وتلجأ الى تحقيق التوازن بين القوة الشرائية للمجتمع وبين المعروض من السلع والخدمات.

 وتكون الاتحادات العمالية تحت سيطرة الدولة ولا وجود لمعارضة برلمانية (حكم الحزب الواحد) فإن اللجوء الى الإضرابات غير ممكنة ومما سبق نستنتج أن الدولة تحل محل جهاز الثمن (العرض والطلب) وعادة ما تكون هناك أسواق سوداء خفية أو قد تكون بمعرفة السلطات . نستعرض هذا النوع من التضخم المالي هنا لربط ذلك في الصين و كوريا الشمالية لما في ذلك من أثر كبير على تحرك اسعار الذهب و العملات.

               

 أنواع التضخم المالي

هناك العديد من التقسيمات على أساس السرعة التي ترتفع بها الأسعار أو على أساس العوامل التي تؤثر في عرض النقود و التضخم المالي في الأسواق العالمية أو على أساس زمني أو على أساس النطاق. ما يعنينا هو التضخم المالي الزاحف (Creeping Inflation.)

ومعنى الزاحف الزيادة التدريجية في الأسعار, تماما كما في التضخم المالي في الأسواق العالمية ويعتبره البعض  دليل على النشاط الاقتصادي أي أن الاقتصاد لا يعاني من الركود (Stagnation) ويشبه بالطفل الذي يبدأ بالزحف وهذا النوع ليس خطيرًا والخطر ان يتحول تدريجياً الى تضخم سائر ثم جاري وبعد ذلك يصبح جامحاً (Hyper  Inflation) عنده تتغير الأسعار أكثر من مرة في اليوم الواحد ويحدث هذا في وقت الحروب كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا إذعانا النظام النقدي من الانهيار بسبب نفقات ما بعد الحرب وسداد الديون وإعادة الإعمار ويذكر أن قيمة المارك الألماني الذهبي قد بلغت قيمته 100 مليار مارك ورقي.

 

 

كما زال يحدث في بعض الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية حيث بلغ التضخم المالي في الأرجنتين عام 1985 100% وفي بوليفيا وصل التضخم 2000% وارتفع إلى 8000% وفي مثل هذه الحالة عادة ماتوزن النقود وزناً عند شراء السلع بدلاً من عدها! و هنا قد يزداد الطلب على عملات عالمية أساسية تم ذكرها علاه, وتعتبر هذه احدى الاسباب التى تحرك الاسعار تماما كما حدث في فنزويلا عند ازدياد الطلب على البيتكوين.

 

وتعمد الدول إلى إلغاء النقود المتداولة و إصدار نقود جديدة يصاحب الإلغاء إجراءات تقشفية صارمة وهناك تقسيمات تذكر في الكتابات الاكاديمية يصنف على أساس مسبباتها العوامل التي تؤثر في عرض النقود أو الزمن الذي يحدث فيه أو دور السياسات الحكومية  كتضخم التكاليف والمفتوح و المراقب وتضخم الحروب و ما بعد الحرب ووقت السلم و تضخم العجز (Deficit Inflation) .

 

ويحدث عندما تلجأ الحكومة الى تمويل مشاريع التنمية بإحداث عجز متعمد في الموازنة (Deficit Financing) نتيجة عدم توفر موارد كافية, وينتج عن هذا التمويل وزيادة في الأسعار وخاصة في السلع الاستهلاكية نتيجة الإنفاق المتزايد دون أن يكون هناك إنتاج سلع كافية لمقابلة الإنفاق المتزايد لاسيما مع شحة موارد النقد الأجنبي الذي بإمكانه تمويل استيراد السلع الرأسمالية أو حتى السلع الاستهلاكية.

  

 

السياسة المالية Fiscal Policy :

قبل ازمة فيروس الكورونا قامت بعض الحكومات بدورها باتخاذ بعض الإجراءات للحد من الإنفاق وبالتالي التقليل من السيولة في السوق وتعمل على زيادة الضرائب بسحب قوة شرائية من المجتمع فيقل الطلب على السلع والخدمات وتجدر الاشارة ان السياسة المالية في الاقتصاديات الرأسمالية تعمل على التأثير  على مستوى الطلب الكلي لكي تحد من التضخم المالي عن طريق خفض الإنفاق العام

وزيادة الضرائب,  بل وتلجأ احياناً الى تكوين فائض في الميزانية لامتصاص جانب من القوة الشرائية لوقف الضغوط التضخمية.

أما في الدول الاشتراكية مثل الصين فكون الدولة تضطلع بالدور الأكبر من النشاط الاقتصادي فبإمكانها التحكم في الضغوط التضخمية عن طريق توجيه السياسة المالية والسياسة الاقتصادية مما يؤدي للحد من التضخم المالي ويتضح أن دور السياسة المالية في مكافحة التضخم المالي متشابه اياً كانت المذاهب الاقتصادية التي تعمل في إطارها الدولة.

سياسات القيود المباشرة أو التضخم المراقب

تلجأ بعض الحكومات الى استخدام وسائل إدارية لمكافحة التضخم المالي ومنها التسعير الإجباري لبعض المنتجات واستخدام البطاقات وتوزيع بعض السلع القليلة المستوردة أو المنتجة محلياً على الأسواق وبأسعار محددة من الحكومة ويطلق على هذا النوع التضخم المالي المراقب وعادة ما يكون هناك سوق سوداء لبيع السلع بأكثر من قيمتها المحددة إدارياً ويؤدي هذا النوع من الوسائل الإدارية الى سوء توزيع الموارد وفي حالة الغاء هذه الإجراءات الإدارية يقوم جهاز الأسعار بعملة ويصبح جهاز الأسعار كأنه الوكالة التي تقوم بالتوزيع على من باستطاعته الدفع.

التضخم المالي وآثاره الاقتصادية

التضخم المالي

الآثار في البلدان المتقدمة

في البلدان المتقدمة يرجع ذلك الى عدم التوظيف الكامل للموارد بمعنى أن يكون هناك طاقة معطلة أو غير مستغلة ففي حالة أن يكون هناك تضخماً بسيطاً فإن ذلك سيدفع رجال الأعمال الى استغلال الطاقات المعطلة بغية جني الأرباح بسبب زيادة الإنتاج ويجب أن يكون لذلك حدوداً وإذا ازداد أصبح ضاراً قد يؤدي الى الهروب من العملة  نظراً لتدهور القوة الشرائية لها ويؤدي الى المضاربات وظهور الأسواق السوداء وخلق حالة من القلق لدى رجال الأعمال وعزوفهم عن الاستثمار وزيادة الانتاج وقد يتحول انتاج السلع الكمالية المدرة للربح السريع وليس لإنتاج السلع الرأسمالية والتي عادة يكون مردودها على المدى المتوسط والبعيد.

الآثار الاقتصادية للتضخم في البلدان النامية 

تنعكس في البلدان النامية  آثار تفوق تلك الآثار في الدول المتقدمة منها توجيه الاستثمارات الى أنشطة غير منتجة كالاستثمار في العقارات أو إلى إنتاج سلع استهلاكية مدرة للربح السريع والتضخم المالي يقضي على مدخرات الأفراد وخاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة ويؤدي الى هروب رؤوس الأموال الى الخارج أو اكتناز المعادن الثمينة أو العملات الأجنبية التضخم المالي ايضاً يضر بأصحاب الدخول الثابتة كالموظفين وأصحاب المعاشات .

علاج التضخم المالي

حتى عهد قريب لا تختلف  وسائل العلاج في البلدان المتقدمة عنها في الدول النامية في البنوك المركزية تلعب دوراً رئيسياً باستخدام الوسائل المباشرة  المعروفة وهي :-

  • تغيير سعر إعادة الخصم Discount Rate 

فإذا وجدت البنوك المركزية في الأسواق العالمية أن هناك مؤشرات تضخمية فإنها تؤثر على حجم الائتمان عن طريق رفع أسعار الفائدة على الأموال التي  تقترضها البنوك التجارية بهدف تقييد الائتمان الممنوح للجمهور والعكس صحيح فاذا وجد البنك المركزي أن هناك مؤشرات حالات انكماش أو ركود فإنها تخفض سعر الفائدة مما يسهل للبنوك التجارية تقديم القروض ويُشَجع الجمهور على الاقتراض بفوائد قليلة .

  • عمليات السوق المفتوح Open Market Operations

وتعني قيام البنك المركزي ببيع وشراء الأوراق المالية في الأسواق العالمية بهدف التأثير على سيولة البنوك والحد من قدرتها على خلق الائتمان ففي حالة الانكماش يلجأ الى شراء الأوراق المالية لتوفير السيولة للبنوك يمكنها من الإقراض وهذه الوسيلة مستخدمة على نطاق واسع في الدول المتقدمة نظراً لوجود أسواق مالية وأوراق نقدية متطورة أما في الدول النامية فإن هذه الوسيلة تستخدم على نطاق ضيق لعدم وجود الأسواق المشار إليها حتى في  الأسواق العالمية.

  • استخدام الاحتياطي القانوني Reserve Requirements

تقوم البنوك المركزية في حالة وجود موجة تضخمية برفع نسبة الاحتياطي القانوني على الودائع في البنوك وهذا الإجراء يحد من قدرة البنوك على الإقراض ويحدث بعض الأحيان أن تضطر البنوك لاستدعاء بعض تسهيلاتها لدى زبائنها في حالة عدم وجود أرصدة نقدية كافية في حساباتها لدى البنك المركزي  للوفاء بمتطلبات الاحتياطي القانوني وهناك ما يمكن تسميته احتياطي السيولة حيث تلزم البنوك بإبقاء نسبة معينة في حساباتها الجارية في البنك المركزي أو في خزائنها لمواجهة أي سحوبات من عملائها.

  • وسائل أخرى 

وفي الدول النامية تلجأ بعض البنوك المركزية الى ممارسة الرقابة على الائتمان بتوجيهها الى قطاعات اقتصادية معينة كأن تحدد نسبة لقطاع الزراعة ونسبة لقطاع الصناعة بنسبة للإسكان أو إعطاء فوائد مخفضة لبعض الأنشطة ويطلق على هذا النوع الرقابة الكيفية  وهناك الرقابة المباشرة كان يقوم البنك المركزي بوضع حدود قصوى لإجمالي قروض كل بنك على حدة كل الإجراءات السابقة يطلق عليها في الأدب المصرفي أدوات السياسة النقدية المباشرة.

الأسواق المالية Capital Markets يتم فيها تبادل أدوات الدين طويلة المدى ومدة النضوج Maturity سنة أو أكثر كالأسهم (Stocks) و(Bonds) طويلة المدى.

أما الأسواق النقدية Money Markets فيتم فيها مبادلة أدوات الدين قصيرة المدى ومدة نضوجها (Maturity) أقل من سنة وهي أكثر أمانًا وسيولة.

2 thoughts on “التضخم المالي

  • Hyatt Al Qahtaan

    مقال مشوق جدا … مبدعين كالعاده … متى تتصلون حتى نبدأ التدريب ؟

    • iDailyforex

      اهلا و سهلا اخت حياة و شكرا جزيلا على الاطراء. تم ارسال البرنامج التدريبي كامل و ان شاء الله تكوني من المتداولين المحترفين و تحققي افضل الارباح.

Comments are closed.